إن السبيل المتخذ من بعض دول القارة الأوروبية، على إثر ما يحدث في الساحة العالمية من تقلب وتغيير في معطيات موازين القوة نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية في الشرق الأوسط مع إيران، والمتمثل في سياق زيارة رؤساء حكومات الدول إلى الجزائر ابتداءً من الأسبوع الأخير من مارس الجاري، له دلالات ترمز للحاجة الملحة وما تقتضيه الحكمة والتفكير والتخطيط وحسن التسيير.
وبالنظر إلى ضرورة المصلحة المشتركة، يجب على هؤلاء الزوار أن يستوعبوا ويدركوا أهمية المرحلة الحتمية الحالية، أولاً، وثانياً إعادة النظر في ما مضى من الأحداث وأخذ العبر منها بتصور لرؤية شاملة للمنطقة عامة، وليست ظرفية، والمساهمة في كل التبادلات بين الضفتين التي تعتبر أقل كلفة وأقرب مسافة وأحسن إنتاجاً في القارة السمراء المجاورة في كل الميادين، حتى نضمن الأمن كخيار استراتيجي دائم يحمي المنطقة من كل جوانبها، ولا يغامر به أي طرف من الضفتين، كما وصلت إليه بعض الدول النافذة في أوروبا حين أرادت، في نزاع روسيا وأوكرانيا، إضعاف جارٍ لها فأضعفها، وخسرت من كان يتزعم حمايتها، وفي آخر المطاف فُرضت عليها الإملاءات.
وفي نفس السياق والمنظور والنظرة الحتمية، يجب العمل الجاد على مستوى الدول الإفريقية على نفس المنوال، والحسم مع من تأخر في التفكير والتخطيط الجماعي المحلي المنطلق من الواقع المعيش، بعيداً عن الإملاءات المستوردة، والتكتل المتخذ كمنهاج للحماية وسبيل ضروري وأولوية. وفي نفس المشهد، يتعلق الأمر ببعض دول آسيا وأمريكا اللاتينية التي صنعت الحركة الصهيونية حكامها، وجعلت عيشتهم في عالم بعيد عن واقع شعوبهم، وبنت لهم بنية تحتية من ورق، وباتت الواقعية قاسية على أنظمتهم، فوقعوا في محاكمة الضمير.
ومن أجل وزن الظرف الحالي والمستقبلي، يرى البعض أن هذا التقارب والتبادل بين الضفتين من البحر الأبيض المتوسط، الحتميين في واقع الأمر، كان يجب أن يكون منذ زمن، والذي يكمن في جانبه الطاقوي؛ فيجب على هذا التبادل أن تكون رؤيته على منظور شامل وكامل ومستدام، بطابعه السياسي والاقتصادي، منصباً على الجانب الطاقوي، وفي طياته الجانب الاستراتيجي الخاص بالنظرة الأمنية المؤمِّنة للمنطقة وحمايتها، والعمل على إشراك الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط كشريك أساسي، والحفاظ على هذه الدول الساحلية وجعلها آمنة بموجب تحالف استراتيجي، لضمان السلم الدائم في المنطقة، بالعمل على المساهمة الفعالة لتسوية شؤونها الداخلية في إطار ما يقتضيه القانون الدولي، حتى يتسنى لكل من الضفتين الاستفادة والاستقرار.