تنظيم داعش يتمدد في الصومال لإجهاض الرهان على استقرار القرن الأفريقي

السبت 28 سبتمبر 2019 7:18 م
تنظيم داعش يتمدد في الصومال لإجهاض الرهان على استقرار القرن الأفريقي

أذرع الإرهاب تتحرك في الصومال

جنوب العرب - مقديشو

الحديث عن الصومال كأحد أبرز المناطق الساخنة في العالم ليس أمرا جديدا ومستغربا، فلطالما كان هذا البلد الأفريقي الاستراتيجي عنوانا للأزمات والفوضى والعمليات الإرهابية وانتشار الجماعات المسلحة، لكن الصومال في السنوات الأخيرة قرر أن يغير من هذه الصورة ويبدأ خطواته نحو الاستقرار الأمر الذي يربك مخططات أطراف داخلية ودولية تستفيد أكثر من الصومال الدموي والفوضي، وأقصى ما يقلقها أن تبدأ بعض الأقاليم الصومالية الخروج من عباءة هذه الصورة والتفكير في التنمية واستغلال موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب القريب من اليمن من جهة الشرق، والمفتوح على العمق الأفريقي من ناحية الغرب، ليكون الرد على هذا “التمرد” تحريك أذرع الفوضى على غرار حركة الشباب الصومالية وتنظيم الدولة الإسلامية.

 في الوقت الذي تتسارع فيه خطوات إطفاء الحرائق في القرن الأفريقي ويتزايد تشجيع أفكار التنمية المشتركة، تتمسك بعض الدول باستمرار التوترات وتوظيف سلاح الإرهاب لكسر عزيمة القوى الراغبة في تطوير هياكل المنطقة. وتظهر من وقت لآخر إشارات تعزّز الإصرار على عدم مبارحة خندق الصراعات، كأن ثلاثة عقود من الاقتتال غير كافية لإنهاء المأساة في الصومال، وما رشحت به من مشكلات على دول الجوار.

لم يكتف المحرّضون على العنف والمستفيدون منه بالمعارك الطاحنة بين قبائل وميلشيات تحمل انتماءات قبائلية، بل زادوا عليها عندما أدخلوا الحركات الإسلامية ضمن لعبة الحرب بالوكالة هناك لحسابات سياسية واقتصادية متباينة.

ويظل هذا البلد الاستراتيجي قابعا في صراعاته فترات طويلة. وكلما انطفأت جذوة حركة متشددة ظهرت أخرى، لأن من يقفون خلف التنظيمات المتطرفة يتعاملون معها ضمن الأسلحة المستخدمة كجزء من السياسة الخارجية الجديدة، وتكبيد من يرغبون في السلام والاستقرار والتنمية خسائر فادحة، ومنع اقترابهم من المناطق التي ينشط فيها هؤلاء.

لم تكن صدفة أن ترفض حركة الشباب في الصومال من منسوب عملياتها كما الحديث عن تواجد تنظيم الدولة الإسلامية في هذا البلد. بل إن داعش بنفسه أعلن عن وجوده عبر نشر صور وفيديوهات ظهر فيها مقاتلون تابعون لتنظيم داعش وهم يتدربون في معسكر بإقليم بونتلاند في شمال شرق الصومال، وتحديدا في جبال باري بجنوب بوصاصو، وهي المعقل الرئيسي لعناصر داعش، في محاولة أراد أصحابها الإيحاء بأن الإقليم مقبل على فصل جديد من توترات وقودها المتشددون الذين إذا دخلوا منطقة أفسدوها.

تموضع داعش في بونتلاند
حقق إقليم بونتلاند قدرا من الاستقرار، مقارنة بأقاليم صومالية لم تفارقها الحروب، وجذب موقعه الجغرافي المميز بعض الدول للاستثمار في أراضيها وموانئها، ومحاولة التعايش مع الأوضاع التي بدأت تأخذ شكلا منظما لافتا، مع تقديم مغريات استثمارية يصعب التفريط فيها، لأن التسوية السياسية الشاملة مؤجلة حتى إشعار آخر، وكل إقليم في الصومال يدير أموره وفقا لطبيعة البيئة المحلية، ومدى قدرته على التعاطي مع المحنة العامة.

وأعلن بونتلاند استقلاله عام 1998، لكن لم يحظ باعتراف دولي، وعاش، ولا يزال، سنوات طويلة من الشد والجذب السياسي والأمني والقانوني. ويبلغ عدد سكان الإقليم حوالي 3 ملايين نسمة، وعاصمته مدينة غروي، ويتكون من خمسة أقاليم، هي: سول، نغال، سناع، مدغ، والشرق.

ساهم هدوء الإقليم في إبعاده فترة طويلة عن حملات التجنيد الحثيثة لمتطرفين تقوم بها دوائر توظفهم في أغراض متنوعة. لكن مؤخرا بدأت تتصاعد المغريات لتوتير الأمن، وتشويه صورته كمنطقة شبه مستقرة وجاذبة اقتصاديا ومختلفة عن باقي أقاليم الصومال.

لجأت بعض الجهات إلى تنفيذ عمليات إرهابية ضد مصالح دول بعينها تشارك في مشروعات تنموية في بونتلاند، وتتطلع إلى زيادة التعاون الإقليمي وتخفيف وطأة الصراعات كمدخل لإنهاء أزمات أعاقت الأمن والاستقرار، لذلك دبت الحياة في تنظيم داعش قبل أيام، إيذانا بأن دوره يمكن أن يتزايد الفترة المقبلة.


واختار تنظيم داعش التموضع في بونتلاند، بينما تتمركز قوات حركة الشباب الإسلامية التي أعلنت تأييدها لتنظيم القاعدة في وسط وجنوب الصومال، كأن هناك من يشرفون على لعبة نشطة لتوزيع أدوار هؤلاء وهؤلاء، وتجنب الصدامات المباشرة بين الإرهابيين، لأنهم يقومون بوظيفة ضمن قناة واحدة تشرف عليهم.

وأدرجت واشنطن عبدالقادر مؤمن، زعيم داعش في الصومال، على قائمة الإرهابيين المطلوبين، وينحدر وغالبية مقاتليه من قبيلة الماجرتين. ونشر تنظيم داعش الأم فيديو خاصا بتجديد البيعة لزعيمه أبوبكر البغدادي ومواصلة العمليات الإرهابية، ظهر فيه مؤمن، وهو يؤدي البيعة مع عدد آخر من عناصر داعش.

وقتلت القوات الأميركية العسكرية العاملة في أفريقيا (أفريكوم) في أبريل الماضي نائبه عبدالحكيم دوكوب، قرب قرية هيريريو في ناحية إسكوشوبان بمنطقة باري، في أثناء تنقّله بواسطة سيارة كان على متنها شخصان.

وقال الجنرال وليام ويست، نائب مدير العمليات في سلاح الجو الأميركي في يوليو الماضي، “تظل الضربات الجوية أداة فعالة في حملة مكافحة الإرهاب ضد داعش وحركة الشباب.. وسوف نواصل العمليات للقضاء على التنظيمات الإرهابية في الصومال”.

وعرض تقرير كتبه كاليب وايس، في صحيفة “لونغ وور جورنال”، المتخصصة في رصد الجماعات الإرهابية، بعنوان “تنظيم الدولة الإسلامية يتدرب في بونتلاند”، تفاصيل عن مقاتلين جهاديين خضعوا لتدريبات بدنية، وأخرى حول التعامل مع الأسلحة وإتقان استخدامها، في معسكر يسمى “داوود الصومالي”، وهو اسم مدرب عسكري متطرف لقي مصرعه، وتمكّن التنظيم من تجنيد هؤلاء لتعويض ما خسره من أشخاص استهدفتهم غارات جوية في أماكن مختلفة بالصومال، شنتها قوات أفريكوم.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يعلن فيها داعش عن معسكرات تدريب في الصومال عموما، فقد ظهر من قبل فيديو لمعسكر القائد شيخ أبونعمان عام 2016، وكان قائدا لحركة الشباب، ومن أوائل الذين انشقوا عنها وانضموا إلى تنظيم داعش، لكنه قتل على أيدي قوات الأمن الداخلي التابعة للحركة المتطرفة.

وبدت تحركات تنظيم داعش بطيئة خلال الفترة الماضية، ربما لأن عدد المنضمين إليه لا يدور حول بضعة مئات من الأشخاص، ربما لاتساع نفوذ حركة الشباب بما يتجاوز جنوب الصومال، حيث تلقت الحركة دعما مكنها من استعادة لياقتها القتالية، في ظل تراخي قبضة الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجو، وتقاعسه عن الدخول في مواجهات حاسمة ضد تنظيمات متطرفة تتغول في بلاده.

وعين فرماجو مراسل الجزيرة القطرية السابق فهد ياسين رئيسا للمخابرات الصومالية في أغسطس الماضي، وبعد أيام قليلة من زيارة محمد عبدالرحمن آل ثاني وزير الخارجية القطري لمقديشو وافتتاح مشروع ميناء هوبيو، وهو ما يعد دعما للنفوذ القطري في الصومال، وانحيازا لأجندتها التي تتبنى دعم التنظيمات المتشددة في المنطقة.

ترهل أمني
قدرت قوات أفريكوم في نهاية العام الماضي عدد مقاتلي التنظيم في الصومال بنحو 250 شخصا، مقابل حوالي سبعة آلاف لحركة الشباب. لكن هذه التقديرات مرجح تزايدها بعد فرار الكثير من عناصر داعش في كل من سوريا والعراق إلى دول أخرى، بينها الصومال، كملاذ يراه من يدعمون المتطرفين واعدا، ويمكن أن يلعبوا دورا مهما في إفشال بعض المشروعات التي ترمي إلى نشر السلام.

ويعمل تنظيم الدولة الإسلامية على زيادة حضوره في الصومال منذ وقت طويل، مستفيدا من الترهل الأمني في غالبية ربوعه، ويسعى إلى إيجاد موطئ قدم له في دول الجوار، مثل كينيا وإثيوبيا، بعد أن نجحت حركة الشباب في تنفيذ هجمات إرهابية في الأولى وهددت الثانية، وأكدت أن عناصرها قادرة على مد بصرها لما وراء الصومال.

وأشارت بعض المعلومات إلى أن أديس أبابا اعتقلت أعضاء تابعين لتنظيم داعش، فرع الصومال، عندما كانوا يعملون على تجنيد إثيوبيين مؤخرا. وهو دليل يؤكد أن المنطقة قد تتعرض لعمليات عنف جديدة، لإثارة الذعر وتعطيل التحركات الساعية لتسوية أزماتها ورفع مستوى الأمن والاستقرار، وردع القوى الراغبة في مضاعفة المشروعات التنموية.

ودرجت دول مثل قطر وتركيا وإيران على دعم تنظيمات تتبنى الإرهاب كسلاح لتحقيق أهدافها، من خلال داعش والقاعدة والإخوان والحوثيين وغيرهم، والاتجاه نحو الأماكن المتوترة، التي يتراجع فيها الاستقرار ويصلح تحويلها إلى حاضنة لهم، فما بالنا إذا كان الصومال أرضا خصبة لكل هؤلاء، بحكم موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب والقريب من اليمن، من جهة الشرق، والمفتوح على العمق الأفريقي من ناحية الغرب.

وفي ظل عدم وجود أي بارقة أمل لتسوية الأزمة المتشعبة في الصومال، سيظل هذا البلد أرضا خصبة لتنظيم داعش وأخواته ومن يحركونهم، وعرقلة الكثير من المشروعات الإقليمية التي تراهن عليها بعض القوى لجلب الأمن والاستقرار إلى منطقة حيوية مثل القرن الأفريقي.

التعليقات

تقارير

السبت 28 سبتمبر 2019 7:18 م

لم يهدئ الاتفاق الأميركي – التركي على وقف التصعيد شمال سوريا مخاوف واشنطن المتصاعدة على رؤوس نووية أميركية مخزنة في قاعدة إنجرليك التركية. وينظر...

السبت 28 سبتمبر 2019 7:18 م

حركة الاحتجاج غير المسبوقة التي شهدها العراق مؤخّرا، وإن قُمعت بعنف شديد من قبل السلطات، فإنّ لها فضل إعادة لفت الانتباه إلى قصور العملية السياسية وفس...

السبت 28 سبتمبر 2019 7:18 م

اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي الاشهر في العالم مطالبات حثيثة من نشطاء يمنيون وجنوبيون الى قيادة المملكة العربية السعودية بإقالة سفير المملكة في اليمن...

الأكثر قراءة

كاريكاتير

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر