مر عام 2025 وترك إرثًا من التحديات السياسية، أمام الدولة اللبنانية، التي باتت أمام مفترق طرق، في ظل الصراع القائم بين حزب الله وإسرائيل من جهة، وبين عدم التوافق بين مؤسسات الدولة من جهة أخرى، ولا أحد يعلم ماذا يحمل العام الجديد 2026، الذي جاء وسط مشهد معقد إقليميًا، يحمل في طياته مخاوف من تصاعد الأزمات السياسية، التي يدفع ثمنها الشعوب.
ما يحدث على الأراضي اللبنانية، يرتبط بعض الشئ بما يحدث في الأراضي الفلسطينية، الجبهتان تواجهان عدوًا واحدًا هو الاحتلال الإسرائيلي، مع الاختلاف في حدة المعاناة، التي تتفاقم بشدة على الفلسطينيين، خاصة في قطاع غزة، تحت وطأة الممارسات اللا إنسانية، التي يقوم بها جيش الاحتلال، بحق المدنيين.
ويقبع عدد كبير من الفلسطينيين في الأراضي اللبنانية داخل المخيمات، وفي ظل مساعي الدولة اللبنانية لاستعادة السيطرة، التي نزعها حزب الله قبل سنوات، جاءت الأنباء تناقلت بشأن تسلم الجيش اللبناني، كمية من الأسلحة الفلسطينية من داخل مخيم عين الحلوة للاجئين جنوب لبنان، وهو ما يعد حدثاً سياسياً وأمنياً لافتاً، أعاد إلى الواجهة سؤالاً حول مدى قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها على كامل أراضيها، ولا سيما في المساحات التي ظلت تاريخياً خارج السيطرة المباشرة للمؤسسات الرسمية.
المخيمات الفلسطينية، وعلى رأسها "عين الحلوة"، تعتبر مناطق استثنائية بحكم الواقع السياسي والأمني، حيث تراكم السلاح، وتحولت في مراحل معينة إلى بؤر توتر تهدد الأمن المحلي والإقليمي، من هنا يكتسب هذا التطور دلالات سياسية جديدة، ليطرح تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت الدولة قد دخلت فعلاً مرحلة جديدة في مسار استعادة قرارها الأمني.
يأتي هذا التطور في سياق داخلي وإقليمي بالغ الحساسية، إذ يعيش لبنان تحت ضغوط سياسية واقتصادية غير مسبوقة، ويواجه في ذات الوقت تحديات أمنية متصاعدة على حدوده الجنوبية وفي عمقه الداخلي، وسط تصاعد الدعوات الدولية والعربية إلى حصر السلاح بيد الدولة كشرط أساسي للاستقرار، وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى خطوة تسلم السلاح من مخيم عين الحلوة باعتبارها تمثل مكسب سياسي لعدة أطراف.
وتتمحور المكاسب السياسية من الأنباء الورادة، بشأن تسليم الأسلحة، بوجود رغبة فلسطينية في تخفيف العبء الأمني عن المخيم، ومنع استخدامه ساحة لتصفية الحسابات، وإصرار لبناني رسمي على منع تفجر بؤر أمنية متنقلة، وضغط دولي متزايد لدفع الدولة نحو خطوات عملية تثبت قدرتها على الإمساك بزمام الأمور.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تعني هذه الخطوة أن الدولة اللبنانية بدأت فعلاً بفرض سيطرتها على المخيمات الفلسطينية؟ الواقع يشير إلى أن ما جرى هو خطوة مهمة، لكنها جزئية ومشروطة، لأن المخيمات لا تزال تخضع لتوازنات دقيقة بين الفصائل الفلسطينية، وبعضها يمتلك حسابات إقليمية تتجاوز الإطار اللبناني.
كما أن تسليم جزء من السلاح لا يعني بالضرورة إنهاء ظاهرة التسلح داخل المخيم، بل قد يكون بداية لمسار طويل ومعقد يتطلب ضمانات سياسية وأمنية متبادلة، مع ذلك لا يمكن التقليل من أهمية هذه الخطوة في بعدها الرمزي والعملي، حيث تشير إلى تحول في المقاربة، من سياسة إدارة الأزمات واحتوائها إلى محاولة المعالجة الجذرية ولو بشكل تدريجي. كما أنها تعزز موقع الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الوحيدة القادرة على لعب دور الضامن للاستقرار، بعيداً عن الاصطفافات السياسية والطائفية، وفي دولة تعاني من تآكل الثقة بمؤسسات الدولة، يشكل أي تقدم في هذا الاتجاه مكسباً معنوياً وسياسياً لا يستهان به.
أما على صعيد تأثير هذا القرار في الحد من ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة، فإن الإجابة تبقى نسبية، فمن الناحية العملية، أي تقليص لمخزون السلاح غير الشرعي يساهم في خفض احتمالات الانفجار الأمني، ويحد من قدرة الجماعات المسلحة على فرض أمر واقع بالقوة، فضلا عن أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في جمع السلاح، بل في معالجة الأسباب التي دفعت إلى انتشاره من الأساس، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو مرتبطة بانعدام الثقة بالدولة وقدرتها على الحماية، لذلك يتطلب الأمر وجود خطوات إيجابية متكاملة تتضمن تحسين الأوضاع المعيشية، وتعزيز الحضور الأمني الشرعي، وإعادة بناء الثقة على المستوى الاجتماعي، دون ذلك سيبقى خطر إعادة التسلح قائماً.
هذا التطور يفتح تلقائياً الباب أمام السؤال الأكثر حساسية: هل سيكون حزب الله هو التالي؟ من الواضح أن المقارنة بين سلاح المخيمات الفلسطينية وسلاح الحزب ليست مباشرة، نظراً لاختلاف السياق والدور والامتداد الإقليمي، إلا أن مناخ النقاش الداخلي يشير إلى أن أي خطوة باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، مهما كانت محدودة، تعزز منطق المطالبة بتطبيق هذا المبدأ على الجميع دون استثناء، لأن الدولة التي تنجح في فرض قواعد جديدة في المخيمات، ولو تدريجياً تكتسب ورقة سياسية أقوى في مواجهة أي سلاح خارج إطارها.
ولا شك، أن صانع القرار اللبناني، يدرك أن ملف سلاح حزب الله يرتبط بتوازنات إقليمية معقدة، وبمعادلات تتجاوز الحدود اللبنانية، وهو ما يجعل أي مقاربة مباشرة محفوفة بالمخاطر، لذلك قد تكون الخطوات الحالية جزءاً من استراتيجية تدريجية، تهدف إلى ترسيخ فكرة الدولة القادرة، وبناء أرضية داخلية ودولية تمهد لنقاش أوسع حول حصرية السلاح، بدلاً من فرضها بالقوة أو عبر مواجهات داخلية مكلفة.
ومن المؤكد أن تسلم الجيش اللبناني أسلحة من مخيم عين الحلوة، يشكل مؤشراً إيجابياً على تحرك الدولة، لكنه لا يعني أنها حسمت معركة السيادة، بل هو اختبار لإرادة سياسية وأمنية، وبداية مسار طويل يتطلب نفساً طويلاً، وتوافقاً داخلياً، ودعماً إقليمياً ودولياً، لأن نجاح هذا المسار قد يفتح الباب أمام إعادة صياغة المشهد الأمني اللبناني، أما فشله سيعقد المشهد، ويدخل لبنان في النفق المظلم، لا أحد يعلم متى سينتهي.