يُطرح الحديث عن بناء "مدينة إنسانية" في رفح، وإعادة تأهيل المناطق المحيطة بها بعد تطهيرها من سيطرة حركة حماس، إشكاليات سياسية وأخلاقية عميقة تتجاوز ظاهر الخطاب الإنساني الذي يُروج له، تقدم هذه الخطة بوصفها مبادرة تحويلية تحمل الأمل لسكان أنهكتهم الحرب، في المقابل تعكس مقاربة جديدة لإدارة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، تقوم على إعادة هندسة الجغرافيا والسلطة معًا، وليس فقط إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
وتمثل خطة "المدينة الإنسانية" في رفح لحظة مفصلية في التفكير الدولي حول غزة، فهي ليست مجرد مشروع إعادة إعمار، بل رؤية سياسية مقنعة بلغة إنسانية، قد تحمل في طياتها فرصًا لتحسين حياة المدنيين المنهكين، لكنها تحمل أيضًا مخاطر إعادة إنتاج الصراع بصيغة جديدة، تُدار فيها القضية الفلسطينية.
وهنا يُطرح السؤال الأهم: هل سيكون الإعمار خطوة نحو العدالة والاستقرار الدائم، أم مجرد محطة أخرى في مسار طويل من إدارة الأزمة بدل حلها؟
المشروع قد يبدو جذابًا قد يعيد الحياة لطبيعتها بعض الشء، بعيدًا عن الحصار والاقتتال، لكن من حيث المضمون، يثير المشروع تساؤلات جوهرية حول مفهوم التطهير الذي جعل هذه الخطة ممكنة، وحول معنى أن يرغب السكان في العيش تحت سلطة خارجية بديلة عن حكم حماس، وهنا لا يمكن فصل الإعمار عن السياسة، ولا فصل المدينة عن السياق الأوسع للصراع.
حرب "طوفان الأقصى" شكلت نقطة تحول كبرى في المعادلة، فبعد الدمار الواسع في غزة، برز اتجاه دولي، لا سيما أمريكي، لإعادة التفكير في كيفية إدارة القطاع مستقبلاً، لم يعد النقاش يدور فقط حول وقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات، بل حول اليوم التالي لحماس، في هذا السياق، تبدو فكرة "المدينة الإنسانية" جزءًا من تصور أوسع يسعى إلى تجاوز الصيغة التقليدية لغزة بوصفها كيانًا محاصرًا، واستبدالها بنموذج مدار خارجيًا، يُسوق على أنه أقل عنفًا وأكثر قابلية للضبط.
الإعمار في مناطق النزاع كان بمثابة سلاح ذو حدين، في حالة رفح، لا يبدو المشروع مجرد استجابة لأزمة سكن، بل هو أداة لإعادة هندسة المجتمع، وربط الإعمار بتطهير المنطقة من نفوذ حركة حماس يعني بالضرورة أن المدينة الجديدة لن تكون مجرد حيز مكاني، بل مختبر سياسي لإدارة مدنية تحت إشراف قوى خارجية أو دولية.
الحديث عن رغبة السكان في الانتقال إلى مدينة متحررة من حكم حماس يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، ومن المؤكد أن قطاعات واسعة من الفلسطينيين ضجت من الحرب والدمار والحصار، وقد تبحث عن أي مخرج يضمن الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة، لكن تحويل هذا الإرهاق الإنساني إلى تفويض سياسي لسلطة خارجية يظل أمرًا إشكاليًا، الفلسطيني الذي يهرب من القصف ليس بالضرورة قد تخلى عن حقه في تقرير مصيره، ولا عن تطلعه إلى دولة مستقلة ذات سيادة، الخطر هنا أن يُستغل الألم الإنساني لإعادة صياغة الواقع السياسي بما يخدم ترتيبات إقليمية ودولية، لا بالضرورة المصلحة الوطنية الفلسطينية.
كما أن مفهوم "السلطة الخارجية" يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل نحن أمام إدارة دولية مؤقتة؟ أم وصاية طويلة الأمد؟ أم نموذج شبيه بمناطق النفوذ التي عرفها الشرق الأوسط في مراحل سابقة؟ التجارب التاريخية لا تبعث على كثير من التفاؤل، وغالبًا الوصايات تبدأ بشعارات إنسانية وتنتهي بتكريس واقع جديد من التبعية، حيث يتحول الإعمار إلى أداة للضبط السياسي، لا إلى مدخل حقيقي للسيادة والاستقلال.
إن الإعمار الحقيقي هو الذي يمهد الطريق لتقرير المصير، وليس الذي يُستخدم كعازل جغرافي أو سياسي، وستظل "المدينة الإنسانية" في رفح مشروعاً قاصراً ما لم تكن جزءاً من مسار وطني فلسطيني شامل، يضمن ألا يضطر الفلسطيني للاختيار بين رغيف الخبز وبين كرامته السياسية.