التقارب مع الإخوان معضلة متجذّرة تُراكم أزمات اليسار المصري

الاثنين 21 أكتوبر 2019 9:03 م
التقارب مع الإخوان معضلة متجذّرة تُراكم أزمات اليسار المصري

تشكيلات اليسار لا تتعظ من تجاربها السابقة

جنوب العرب - القاهرة

مثّلت المظاهرات الأخيرة التي جدّت بمصر في شهر سبتمبر الماضي، فرصة سانحة للوقوف مجدّدا على إحدى أهم المعظلات المتجذرة في تجارب بعض التيارات اليسارية المصرية، والمتمثّلة في هرولة بعضها في أكثر من مرة للتقارب والتحالف مع جماعة الإخوان دون الاتّعاظ مما حفظه التاريخ من تنكّر الإسلاميين لهذه المدرسة الأيديولوجية اليسارية التي ظلّت بمثابة ممرّ عبور آمن يعبّد السلطة للإسلاميين أو يشيع عنهم صورة نمطية تفيد بأنهم أنهم ضحايا استبداد الدولة، حول كل هذه القضايا وغيرها من إرهاصات اليسار التي تزيد في إثقال تركته السلبية، تحدّث أحد أهم رموز اليسار في مصر ورئيس الحزب الاشتراكي المصري، أحمد بهاءالدين شعبان في حوار مع “العرب“.

 جدّدت دعوات التظاهر في مصر قبل نهاية سبتمبر الماضي إشكالية لنحراف بعض التيارات اليسارية نحو جماعة الإخوان المسلمين، المصنفة إرهابية في مصر، وعدد من الدول العربية، بعدما انحازت بعض الحركات اليسارية إلى دعوات التظاهر جنبا إلى جنب مع الإسلاميين، فيما اعتزلت المشهد غالبية الفصائل السياسية والجماهير.

إن الانحرافات اليسارية في مصر نحو جماعة الإخوان ذات تاريخ طويل، كان آخرها رسميا صعود بعض قوى اليسار على كتف الجماعة إلى البرلمان عقب ثورة يناير 2011. ورغم الانقلاب الحاد في موقف الجماعة تجاه هذه القوى بعد وصولها إلى سدّة الحكم، فإن تكرار الميل نحوها يطرح أسئلة عدة حول دوافع تأثيراته المستقبلية على اليسار. وهو ما فصّله أحد قيادي اليسار رئيس الحزب الاشتراكي المصري، أحمد بهاءالدين شعبان في حوار مع “العرب”.

قال شعبان إن فهم سلوكات بعض الفصائل اليسارية لا يتم سوى في سياق المرحلية التي يمر بها اليسار المصري، والذي ينقسم إلى ثلاثة تيارات، كل منها لديه أهداف وأولويات، تمثل دافعا رئيسيا في سلوكه.

وأضاف في حديثه لـ “العرب”، أن الاتجاه الأول يُعلي من مسألة مواجهة الإرهاب والدفاع عن الدولة الوطنية، ويغض الطرف عن التنازلات التي يمكن أن يقدمها في هذا المسار، من قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ويرى أن الأولوية تكمن في منع تشرذم الدولة، والتعامل مع المرحلة حسب قوانين الحرب، بحيث “لا يعلو صوت فوق صوت المعركة”، ويمثله حزب التجمع، وهو أعرق الأحزاب اليسارية في مصر.

أما بشأن الاتجاه الثاني، فيعتقد شعبان أنه يتشبث بقضية الديمقراطية التي تأتي في المقام الأول، وأنه يعتبر أن خطر الإرهاب مبالغ فيه، إن لم يكن وهميا، ومن ثمّ فصراعه الأساسي هو مع “الدولة القمعية”، وفق تعبيره.

ويمثل هذا التيار الأخير عددا من الحركات الشبابية، أبرزها حركة الاشتراكيين الثوريين التي تأسست في تسعينات القرن الماضي، وبلغت ذروتها مع ثورة يناير.

وينظر شعبان بتحفظ إلى التيارين، ما جعله يبلور اتجاها ثالثا يرى في الإرهاب خطرا حقيقيا، لكنه لا يواجه على نحو شامل ومثالي، كما لا يعتبره (وغيره) مبررا لخنق الحريات العامة أو في سياق يصمت اليسار عن التعبير عن قضاياه الجوهرية من عدالة اجتماعية وحريات.

واللافت هنا تحديدا أنه على عكس الاتجاهين السابقين ممن بلورت دوافعهم أدورا يمكن أن تُرصد، ينزوي التيار الثالث، ويدافع عنه شعبان قائلا “غيابنا يتسق تماما مع جو عام لا سياسة فيه”.

خلافات متجذّرة
يستند موقف حزب التجمع أيديولوجيا على خلافات متجذرة بين البرنامج اليساري والبرنامج الإخواني السياسي، فضلا عن تاريخ حافل من “ضرب الإخوان للحركة الوطنية”، وفق تعبير شعبان في وصف الجماعة، لكنه يتساءل؛ أيّ سياقات يمكن أن تدفع الحركات الشبابية اليسارية إلى ذلك التقارب المريب؟

ويقول شعبان، مبديا تحفظاته، “لا أريد الحديث عن حركات أو تيارات بعينها”، ثم يستطرد، “هذا التيار صوته أعلى من قدراته الحقيقية، وهو على علاقة بتيارات أيدولوجية، خارجية ترى في الإخوان ضحية، فيؤثرون على تحركاتهم فكريا وفي إطار الفعل، خاصة أن أجهزة التمويل الأجنبية تلعب دورا في هذا الانحراف.

وخرج شعبان، الذي ظل عازفا عن الكلام في الفترة الماضية، من خصوصية الحالة المصرية إلى انحرافات “غير مبررة أو مفهومة” لبعض تيارات اليسار عموما، بما يؤثر على الأفعال والانحيازات.

وأوضح “جل تيارات اليسار العالمي تعتمد في مناهجها شعارات ضد العنصرية واضطهاد المرأة والأقليات، ورغم ذلك تنحرف بعض الفصائل الأوروبية على نحو غير متّسق مع المنهج، عند التعرض لمسألة إسرائيل بصورة تدعو إلى الدهشة”.

وذكر، أن “ثمة تيارات أوروبية تُسطح النضال على اعتباره ظاهرة صوتية، ومن ثم نظرت إلى زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن، على أنه مناضل لإطلاقه تصريحات ضد الولايات المتحدة، ولعبت دورا في الدعاية للقاعدة، متجاهلة سياقات النشأة والارتباط بينها وبين الولايات المتحدة.

إن ظاهرة التقارب بين اليسار والإخوان ليست مقتصرة على الساحة المصرية، ففي المغرب مثلا لم يفك اليسار، ممثلا في حزب التقدم والاشتراكية، تحالفه حزب مع العدالة والتنمية (الإخوان) لنحو عشرين عاما، سوى قبل أسابيع قليلة.

مصر

ويقرّ شعبان بتشابه تعثر اليسار عربيا، لكنه يؤكد خصوصية الحالة المصرية باعتبارها “أكثر مأساوية”، لافتا إلى أن “جماعة الإخوان عصابة إرهابية عميلة، وثيقة الصلة بأجهزة استخباراتية ومراكز دولية، من مصلحتها إعاقة تقدم مصر وديمقراطيتها.

وأضاف، أن عمق الخلاف بين الإخوان واليسار في الحالة المصرية خلال سبعينات القرن الماضي يترجم من خلال ما أقدمت عليه الحكومة آنذاك من إطلاق سراح الإخوان من السجون لضرب الحركة اليسارية بعد الصعود الهائل الذي حققته.

ينبع اصطفاف الكثير من الحركات الشبابية مع الإخوان، حاليا، من افتقارها إلى التجربة التاريخية، حيث يؤكّد شعبان “ليس الشباب فقط، فبعض القوى السياسية، وقادة كبار لم يجدوا يوما عيبا أو خطورة في أن يتحالفوا مع الإخوان المسلمين في مصر”.

وتطرح الكثير من الأسئلة الحارقة في مصر عن دواعي وأسباب الزيجات غير الشرعية بين الإخوان والاشتراكيين الثورين، حيث يرى شبّان بنادي الفكر الناصري، تحدثت إليهم “العرب”، أن سير حركات شبابية يسارية في ظل الإخوان ناتج عن المشاكل التأسيسية، ففي حالة تيار “الاشتراكيين الثوريين”، وعلى الرغم من امتلاكهم الأيديولوجيا، لكنهم اهتموا بالكمّ على حساب الكيف، بمعنى أنهم عملوا على ضم كوادر جدد دون ارتكان واضح للقاعدة التثقيفية.

وعبّر شعبان، في حواره مع “العرب”، عن اتفاقه مع الكوادر الشابة على أن التحالف الانتخابي بين اليسار والإخوان بدعوى الاستفادة من قواعدها الجماهيرية آنذاك من العوامل التي عمقت الشروخ في الحركة اليسارية، وآثارها ممتدة حتى الآن.

الإخوان جزء من المشكل


أشار رئيس الحزب الاشتراكي المصري إلى أن الإخوان، ولو مثّلوا جزءا من أزمة اليسار، لكنهم ليسوا العامل الوحيد، وإلى أن هناك أسبابا موضوعية، وأخرى تتعلق باليسار ذاته أنتجت مجتمعة المشهد الحالي.

وقال شعبان “جوهر أزمة اليسار المتراكمة تتمثل في عجزه عن بلورة برنامج حقيقي يعبر عن مصالح الطبقات الشعبية، إما بسبب الخلافات بين الفصائل اليسارية والتشرذم، وإما لأسباب موضوعية متعلقة بتجريف البيئة التي يتواجد فيها وينشط”.

وأوضح لـ”العرب” أن العامل الاجتماعي لليسار تفكك خلال العقود الماضية، من عمال وفلاحين وصغار الموظفين من الطبقات الدنيا والشرائح الوسطى.

وأكد رئيس الحزب الاشتراكي المصري، تفاؤله في ما يتعلق بمستقبل اليسار المصري، قائلا “هذا التراجع مؤقت، وأنا على يقين اليسار بصعود كبير خلال المرحلة المقبلة، هذا ليس تقديرا جزافيا، فقد اختبر المواطنون السياسات الليبرالية، من الخصخصة ورفع الدعم، وكفّ يد الدولة عن مساعدتهم، على مدار 50 عاما، حتى وصلنا إلى القاع، كل أحلام التحرر الفردي والخلاص الشخصي انتهت، لا يوجد أمامنا سوى العودة إلى الأصول، العودة إلى النضال الجماعي”.

وتدارك القيادي اليساري ذلك، مشددا على أن الأمر لا يحتاج إلى انفجار، أو أن تنزل الجماهير إلى الشارع، فالناس لديهم تجربة مريرة بفعل أشياء كثيرة تمّت، ولابد لليسار أن يقود نضال الجماهير للدفاع عن مصالحها بشكل مشروع وسلمي وقوي.

وحذر من أن تصاعد الاحتقان في المجتمع المصري سيصل في مرحلة ما إلى الانفجار كالبركان، وقال “نريد أن نتجنب هذه المسألة، وهذا دور اليسار باعتباره المدافع الأول والأخير عن حقوق الطبقات الشعبية، فإما أن يتحمل مسؤوليته أو يلحق بالديناصورات في الانقراض”.

وشدد شعبان على ضرورة تصالح اليسار مع أخطائه السابقة لتداركها مستقبلا، وتقديم خطاب جديد متوافق مع العصر دون تزمت أيديولوجي يصر على عبارات صماء.

الإصلاح السياسي

يأمل المعارض السياسي أن يلعب اليسار دورا في المستقبل أكثر عمقا معبرا عن نظرة متفائلة، وإن بدت غير واقعية، لأنه ينكر وجود بوادر حقيقة لإصلاح سياسي وشيك، يمكن بموجبه أن يظهر اليسار ضمن المعارضين.

وأوضح لـ”العرب”، عقب تجربة المقاول محمد علي في بث فيديوهات ضد الرئيس السيسي ومؤسسة الجيش مؤخرا، اتسعت رقعة المعارضة الظاهرية، البعض عدّها بوادر لإصلاحات سياسية، لكن أنا لا أرى ذلك.

وتعمّد شعبان أن يضغط على كلماته، قائلا “أقصد هنا المعارضين الحقيقيين، وليس أشخاصا ينتقلون من خانة الموالاة إلى المعارضة بالأمر، الناس ليسوا سذّجا، والمعارض ليس بهلوانا”.

وأشار إلى أن أول خطوات الإصلاح السياسي تكمن في اعتراف السلطة الحالية بأن ثمة أزمة ومشكلة، وتتبنى حوارا مغايرا عن مواجهة الإرهاب، قائلا “الحريات تدعم مواجهة الإرهاب ولا تعيقها، وحتى الآن لم نواجه الإرهاب سوى على المستوى الأمني، ومع حتميته غير كافية، فيجب فتح مواجهة شاملة، بما يتطلب تعبئة الجماهير وإحساسها بدورها في المعركة، ولا يمكن أن يحدث ذلك في جو تكمّم فيه الأصوات، ولا يغرّد فيه سوى صوت واحد، فقَدَ مصداقيته لدى الشارع”.

وحول اندماج الأحزاب، قال شعبان “لا اندماج بالأمر المباشر، الأحزاب في مصر شبه ميتة، والخطأ ليس فينا (باعتباره رئيس حزب) وإنما في الجو الخانق، كيف نأمل في دور أكبر للأحزاب، وهي ليس لديها طموحا في المشاركة في صنع القرار، بفعل انتخابات يتم تصميميها لأشخاص بعينهم، ولا يستطيعون التواصل مع الشارع بسهولة”.

التعليقات

ملفات ساخنة

الاثنين 21 أكتوبر 2019 9:03 م

تؤجج الأسلحة فائقة السرعة سباق التسلح بين القوى الإقليمية الكبرى، حيث تعمد كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا إلى امتلاك وصناعة أسلحة فائقة السرعة ح...

الاثنين 21 أكتوبر 2019 9:03 م

لعبت أزمة الجماعات المتطرفة وتباين الاستراتيجيات بين كل من إيران وتركيا دورا أساسيا في تعطيل التسوية السياسية في سوريا، حيث عملت هذه القوى على زيادة ت...

الاثنين 21 أكتوبر 2019 9:03 م

 لم تعد حقيقة تغلغل اليمين المتطرف في أوروبا داخل مفاصل الدولة مخفية، فالنتائج الباهرة التي حقّقها هذا التوجّه القومي المتعصّب في وقت قياسي على ح...

الأكثر قراءة

كاريكاتير

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر