تتشكل ستائر مُعِدَّة لتغطية أحوال "تطوان"الآنية ، المنسوجة من خيوط هشة أجمل ما فيها الألوان التمويهية ، الباعثة الاستغراب لدى المضطرين للتمعن في مضامينها اللاعادية ، القاصدة إشغال مَن لا شغل لهم خاصة عن أحداث تتطلب وقفة تقويمية ، لإسناد طرف رسمي معني الحيز الأكبر من المسؤولية ، ذاك الذي مهما دفع بمثل النشاط المختبئ به خلف بعض أصوات نساء لن يُتْرَك من ضمير الإنسانية ، فالذين ماتوا خلال أشهر موجة فرار للشباب المغربي نحو سبتة المحتلة هم أبناء الأمة المغربية ، أساس الدولة ومصدر شرعية وجودها على الخريطة الدولية بعد الوطنية ، وليست ضيعة مملوكة لمن ألفوا عدم الاكتراث لما يحدث بسبب تصرفاتهم الاستبدادية ، كأن الذين توفوا مجرد قطع فلين تطفو على البحر أو جثامين تُداس بفرط الزحام من طرف أقدام لا حول لأصحابها سوى الركوض لإنقاذ أنفسهم الغالية ، وبدل أن يعلن هؤلاء الحكام الحداد عما جرى يدفعون بمهرجان الرقص والغناء وقرب مركز بناية اسمي إدارة إقليمية لنفوذهم السلطوي احتفاء (كما يعتقدون) بصمت التطوانيين عما جرى لأبنائهم وبناتهم من نهاية مؤسفة المنتقل أخبارها للعالمية .
... ومن النساء الشريفات الموقرات مَن جهرت برأي أعطت بمضمونه لنساء تطوان أنهن حاضرات للدفاع عن حق هؤلاء الأموات الذين رحلوا تحت ضغط الحاجة لاستنشاق هواء الكرامة ، وتذوق لقمة العزة بالحلال ، والعيش في حرية تعطي للإنسان المغربي كل حقوقه المشروعة ، ونقصد الأستاذة ّنجاة حمرية"المستشارة بالمجلس الحضري لمدينة تطوان ، حيث كتبت بالحرف الواحد ما يلي :
" تستعد مدينة تطوان لاحتضان الدورة الخامسة عشرة لمهرجان «أصوات نسائية»، خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 15 غشت 2026، في موعد كان يفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بالفن والثقافة والتراث والانفتاح على فضاء البحر الأبيض المتوسط.
غير أن تطوان هذا الصيف ليست المدينة نفسها التي كانت تستعد لاستقبال المهرجان في ظروف عادية.
فخلف أضواء المنصات، وخلف أصوات الموسيقى والتصفيق، تعيش أسر تطوانية وشمالية حالة من القلق والحزن والألم، على خلفية مأساة الهجرة الجماعية نحو سبتة، وما رافقها من أخبار عن فقدان عدد من الشباب والقاصرين، وبينهم أطفال وفتيات في مقتبل العمر، لا تزال عائلاتهم تنتظر معرفة مصيرهم.
والأكثر إيلاماً أن أخبار الوفيات تصل تباعاً إلى أسر مكلومة، فيما تتلقى بعض العائلات جثامين أبنائها بعد رحلة انتهت بمأساة، بدل أن تستقبلهم أحياءً كما كانوا يحلمون.
هناك أمهات لا ينتظرن مطربة على خشبة المسرح، بل ينتظرن خبراً عن أبنائهن وبناتهن.
وهناك أسر لا تفكر في السهرات المجانية، وإنما في سؤال واحد يطاردها: أين أبناؤنا؟ وما مصير الفتيات اللواتي انقطعت أخبارهن؟ وهل سيعود الغائبون، أم أن بعض العائلات ستضطر إلى استقبال جثمان ابن أو ابنة بدل استقبال عودته؟
وهنا يطرح السؤال نفسه، ليس من زاوية رفض الثقافة والفن، وإنما من زاوية المسؤولية الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية وحساسية اللحظة:
هل كان من المناسب أن تقام هذه الدورة في هذا التوقيت بالذات؟
لقد اختار المنظمون شعار «سيدات البحر الأبيض المتوسط، ذوات ثقافة وتقاليد عريقة». وهو شعار يحمل دلالات ثقافية وإنسانية عميقة، غير أن البحر الأبيض المتوسط بالنسبة إلى كثير من الأسر في شمال المغرب لم يعد مجرد فضاء للتبادل والحضارات والثقافة؛ بل أصبح أيضاً فضاءً تختلط فيه أحلام الهجرة بالخوف والفقدان والمجهول.
ومن المفارقات المؤلمة أن يحتفي المهرجان بالمرأة المتوسطية، في الوقت الذي تعيش فيه نساء تطوانيات محنة حقيقية، بعدما وجدن أنفسهن أمام مصير مجهول لأبنائهن وبناتهن.
الأم التي تبحث عن ابنتها المفقودة لا تحتاج في هذه اللحظة إلى منصة مضاءة، بقدر ما تحتاج إلى من يقف إلى جانبها، ويسأل معها عن مصير ابنتها، ويواسيها، ويشعر بآلامها.
وإذا كان المهرجان يتضمن مبادرات اجتماعية وصحية لفائدة المسنين والفئات الهشة، فإن الظرف الاستثنائي الذي تمر به المدينة والمنطقة كان يستحق، في تقديري، مبادرة أكثر رمزية وعمقاً: الوقوف إلى جانب الأسر التي فقدت أبناءها أو لا تزال تجهل مصيرهم، وتحويل البعد الإنساني إلى محور أساسي في هذه اللحظة، ومنها اتخاذ قرار تأجيل الفعاليات إلى موعد أكثر ملاءمة.
فالمهرجانات ليست مجرد برمجة فنية. إنها أيضاً رسالة إلى المجتمع، وتعبير عن إحساس المدينة بما يعيشه سكانها.
وقد يكون قرار التأجيل، في مثل هذه الظروف، أكثر انسجاماً مع روح التضامن من الاستمرار في البرنامج كما لو أن شيئاً لم يحدث.
إن تطوان مدينة عريقة، لها ذاكرة ثقافية وإنسانية عميقة. وهي المدينة التي تعرف معنى التضامن، وتعرف جيداً أن المناسبات الاحتفالية يمكن تأجيلها، أما وجع الأمهات فلا يمكن تأجيله.
كان يمكن، مثلاً، أن تتحول هذه الدورة إلى مناسبة تضامنية مع الأسر المكلومة، وأن تخصص فعالياتها للحديث عن الهجرة غير النظامية، ومخاطر الهجرة الجماعية، وأسباب فقدان الأمل لدى الشباب، وأن يصبح شعار «سيدات البحر الأبيض المتوسط» مناسبة للحديث عن نساء ينتظرن أبناءهن على ضفتي هذا البحر.
فحين تكون المدينة مثقلة بالحزن، تصبح مسؤولية المؤسسات والفعاليات الثقافية أكبر في قراءة المزاج العام واحترام مشاعر الناس.
قد تعود الموسيقى بعد أيام، وقد يلتقي الجمهور في ظروف أكثر ملاءمة.
أما أم تنتظر خبراً عن ابنتها، أو أب يستعد لاستقبال جثمان ابنه الذي خرج بحثاً عن مستقبل أفضل، فلا يمكن أن نقول لهما: انتظرا حتى تنتهي السهرة.
تطوان اليوم تحتاج إلى الإنصات قبل التصفيق، وإلى التضامن قبل الاحتفال، وإلى مواساة الأمهات قبل إضاءة المنصات.ولعل تأجيل المهرجان، لو تم اتخاذه، كان سيبعث رسالة إنسانية أقوى من أي خطاب: أن للثقافة معنى حين تكون قريبة من الإنسان، وأن الاحتفال الحقيقي بالمرأة يبدأ بالوقوف إلى جانب المرأة التي تعيش أقسى لحظات الانتظار والألم".
مصطفى منيغ
Mustapha Mounirh
سفير السلام العالمي
مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان
في سيدني - أستراليا