«حتى الشهادة لها هوية شمالية!».. خطاب إخواني يفتح ملف «عنصرية الدم» تجاه شهداء الجنوب
في الحرب اليمنية، لم يعد الخلاف على السياسة أو النفوذ وحده، بل وصل وفق انتقادات جنوبية واسعة إلى الطريقة التي يُنظر بها إلى دماء الشهداء و الضحايا أنفسهم، فبينما يُمنح القتيل الشمالي في خطاب إعلامي لجماعة الإخوان صفة «شهيد»، يُختزل الجنوبي الذي يسقط في المواجهة نفسها إلى مجرد «قتيل»، في مفارقة يصفها الجنوبيون بأنها تكشف عن خطاب مناطقي يتجاوز حدود السياسة إلى التمييز حتى في الدم و الموت.
وتتجه أصابع الانتقاد بصورة خاصة إلى ما يصفه الجنوبيون بـ«مطابخ إعلامية شمالية» مرتبطة بجماعة الإخوان في اليمن، وتعمل في إطار خطاب سياسي وإعلامي متماهٍ مع ما يسمونه «حكومة الوصاية السعودية».
ومن بين الأسماء التي برزت في هذا السجال الإعلامي الإخواني أحمد الشلفي، محرر قسم الأخبار في الشؤون اليمنية بقناة الجزيرة القطرية ، والمنحدر من محافظة تعز الشمالية، حيث يتهمه ناشطون جنوبيون بازدواجية في توصيف ضحايا الحرب، مستندين إلى اختلاف استخدامه لمصطلحي «شهيد» و«قتيل» عند تناول الضحايا المنتمين إلى محافظات الشمال والجنوب.
«شهيد» هنا.. «قتيل» هناك
المفارقة التي أثارت غضباً جنوبياً تتمثل، بحسب منتقدي هذا الخطاب، في أن من يُقتل جراء القصف الحوثي في مأرب وتعز والحديدة من أبناء الشمال يُوصف بـ«الشهيد»، بينما يتحول الجنوبي الذي يستشهد برصاص أو قصف الحوثيين إلى «قتيل» ، وهنا يطرح الجنوبيون سؤالاً أكثر حدة: هل أصبحت صفة الشهيد مرتبطة بالمنطقة التي ينتمي إليها الجندي؟
فإذا كان القتل على يد الحوثيين هو المعيار، فلماذا تختلف المفردة المستخدمة لوصف الضحية؟ وإذا كان الطرف الذي يقاتله الضحية واحداً، فلماذا تتغير قيمة التوصيف بمجرد تغير هوية الضحية الجغرافية؟
ويرى منتقدو هذا الخطاب أن المسألة لا تبدو مجرد اختلاف لغوي عابر، بل تعكس نظرة سياسية وحزبية إخوانية ومناطقية أعمق، تجعل دماء أبناء الجنوب أقل حضوراً في الرواية الإعلامية الرسمية، حتى عندما يسقطون في مواجهة العدو نفسه.
النسي يضع الخطاب أمام الاختبار
وفي واحدة من أبرز الانتقادات المباشرة، علّق الخبير العسكري الجنوبي العميد خالد النسي على هذا التباين، قائلاً:«بالنسبة لهم الجنوبي مجرد قتيل حتى إذا كان يقاتل في صفوفهم، والشمالي شهيد حتى إذا كانوا في خلاف وصراع معه».
وأضاف العميد النسي، في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإخواني أحمد الشلفي «يقول على من سقط في المخا شهداء باعتبارهم شماليين»، بينما يصف أبناء الجنوب الذين قتلوا في شبوة وهم يواجهون مليشيا الحوثي بـ«قتلى».
وبذلك يضع العميد النسي القضية أمام معيار واضح: إذا كان القتال ضد الحوثيين يمنح المقاتل الشمالي صفة «الشهيد»، فما الذي يسلب المقاتل الجنوبي الصفة نفسها؟
من «قتيل» إلى إنكار الإنجاز
ولا تتوقف الانتقادات عند مفردة «شهيد» و«قتيل»، إذ يرى الجنوبيون أن ما يعتبرونه ازدواجية في الخطاب تمتد أيضاً إلى توصيف الإنجازات العسكرية التي حققتها القوات الجنوبية في جبهات القتال.
فبحسب الرواية التي يطرحها الجنوبيون، يجري عند تحقيق تقدم عسكري أو إنجاز ميداني للقوات الجنوبية إعادة تقديم ذلك الإنجاز إعلامياً باعتباره إنجازاً لـ«الجيش الوطني» أو لـ«القوات المشتركة» التابعة للحكومة، في حين يتم تجاهل تسمية القوة التي خاضت المعركة فعلياً، وهي القوات المسلحة الجنوبية.
وهنا تبرز مفارقة سياسية أخرى: حين يتعلق الأمر بالإنجاز، تُطمس هوية القوات الجنوبية؛ وحين يتعلق الأمر بالتضحيات، تُختزل دماؤها في كلمة «قتيل» ، ويرى ابناء الجنوب أن هذه المعادلة تكشف عن محاولة للفصل بين الجنوبي وتضحياته العسكرية من جهة، وبين الاعتراف بدوره وإنجازاته من جهة أخرى ، ويريدون قوات الجنوب تشارك في معاركهم.. لكنهم لا يعترفون بها.
الأكثر إثارة للجدل، وفق هذا الطرح، هو أن الخطاب الإخواني ذاته الذي ينتقد أو يقلل من دور القوات الجنوبية يعود ليطالبها بالمشاركة في معارك تحرير محافظات الشمال من سيطرة الحوثيين.
وهنا يطرح الجنوبيون سؤالاً سياسياً مباشراً: إذا كانت القوات الجنوبية مجرد «قتلى» عندما يسقط أفرادها، وإذا كانت إنجازاتها تُنسب إلى تشكيلات يمنية أخرى عندما تنتصر، فلماذا يُطلب منها أن تكون القوة التي تقاتل لتحرير الأرض والمنازل في محافظات الشمال؟
وتزداد حدة هذا السؤال في ظل استمرار سيطرة الحوثيين على مساحات واسعة بل جميع محافظات الشمال، بينما تُطرح القوات الجنوبية، في المقابل، باعتبارها قوة عسكرية فاعلة في عدد من الجبهات وقامت بتحرير جميع محافظات الجنوب .
ويرى ناشطون جنوبيون أن المطلوب، وفق هذا الخطاب، هو الاستفادة من القوة الجنوبية عسكرياً، مع إبقاء الاعتراف السياسي والإعلامي بتضحياتها وإنجازاتها موضع تجاهل أو إعادة صياغة اخرى على نفس التوجه السياسي الشمالي.
اختبار المهنية.. عندما يصبح الموت مناطقياً
القضية في جوهرها، بحسب منتقدي الخطاب الشمالي، ليست خلافاً على مفردة صحفية، وإنما اختبار لمفهوم المهنية الإعلامية ذاته ، فالصحافة المهنية يفترض أن تتعامل مع الضحية باعتبارها ضحية، بغض النظر عن المحافظة أو المنطقة أو الانتماء السياسي، وأن تنسب الإنجاز العسكري إلى القوة التي نفذته، لا إلى هوية سياسية يراد تقديمها على حساب الوقائع الميدانية ، أما حين تختلف المفردة بين «شهيد» و«قتيل» تبعاً للانتماء الجغرافي، فإن السؤال لا يعود: ماذا حدث؟ بل يصبح: من الذي مات؟ ومن أي منطقة جاء؟
ومن هنا جاءت العبارة التي تلخص حجم الغضب الجنوبي من هذا الخطاب: «حتى الموت عندهم له هوية ومناطقية».
وفي بلد أنهكته الحرب والسياسات المناطقية التي تمارسها قوى الشمال وفي مقدمتها جماعتي الإخوان والحوثي ، فإن تحويل دماء الضحايا إلى مادة للتصنيف المناطقي لا يهدد فقط صورة الإعلام، بل يعيد إنتاج الانقسام نفسه، ويجعل من الضحية رقماً في معادلة سياسية، بدلاً من أن تكون إنساناً استشهد في حرب يفترض أن يكون معيارها واحداً: من قُتل دفاعاً عن أرضه أو في مواجهة خصمه، فقد حياته، ولا ينبغي أن تتغير قيمة دمه بتغير مكان ولادته.!