من يخدم تغيير قواعد اللعبة في أفغانستان داعش أم طالبان؟

الثلاثاء 19 مايو 2020 9:29 م
من يخدم تغيير قواعد اللعبة في أفغانستان داعش أم طالبان؟

طالبان تعبث باتفاقها مع واشنطن

جنوب العرب - لندن

أكد توجه حركة طالبان في أفغانستان إلى تصعيد الهجمات ضد القوات الحكومية على طريقة داعش، ترجيحات سابقة صبت في خانة أن الحركة ستتمرّد على اتفاق السلام المبرم مع واشنطن. كما أبرز هذا التكتيك الجديد أن الحركة عادت لتغيير قواعد اللعبة لتضع ضمن أولويات نشاطاتها تأجيل المعركة على قيادة ساحة الإرهاب بتأخير المعركة مع داعش والتركيز قبل شيء على زعزعة استقرار حكومة كابول وحشرها في الزاوية لتحقيق هدف واحد هو السيطرة على السلطة.

 يبدو أن حركة طالبان مصممة على تأكيد نهجها في ممارسة العنف والذهاب به لأبعد مدى، وأن اتفاقها مع واشنطن لن يثنيها عن هذا الطريق الذي تتصارع فيه مع تنظيم داعش، حيث شن مسلحوها، الأحد، هجوما على منجم نحاس بقضاء محمد آغا في ولاية لوجر بوسط أفغانستان، أسفر عن مصرع 8 حراس أمنيين وإصابة 7 آخرين ما يؤكد أن حلقات العنف مرشحة لمزيد من التصاعد وليس العكس.

تزامن إعلان حركة طالبان تبني الهجوم على قاعدة تابعة للجيش الأفغاني بمدينة غارديز شرقي البلاد، الخميس الماضي، مع إعلان داعش مسؤوليته عن اعتداء دموي آخر من أصل هجومين مروعين استهدف أحدهما مستشفى للولادة في كابول أدى إلى مقتل 24 شخصًا، وقصد الآخر جنازة في شرق البلاد موقعًا 32 قتيلًا.

حشر كابول في الزاوية

عزز اتجاه طالبان إلى تصعيد الهجمات ضد القوات الحكومية بشن هجمات قاتلة ضد مدنيين حملت بصمات داعش، انطباعات بأن الأمور في أفغانستان تمضي بعكس رغبات الولايات المتحدة عقب إبرام اتفاق الدوحة في فبراير الماضي، والتي تصورت أن احتواء الحركة سوف يمكنها من خروج قواتها بسلام من هناك، لكن وقوع هذه العمليات قد يفرض إعادة النظر في التوجهات المتفائلة، ويغير القواعد التي بنت واشنطن عليها الكثير من حساباتها.

وتوقعت الإدارة الأميركية أن اتفاق السلام مع طالبان سيؤدي إلى خفض مستوى العنف، ويمهد للتوصل إلى تسوية سياسية تفضي إلى تشكيل جبهة مناهضة لتنظيم داعش، تجمع بين الحكومة المركزية وطالبان، علاوة على تقليص فرصها في التمدد والانتشار عبر فرض الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية في البلاد. واختارت طالبان العنف مجددًا مستهدفة القوات الحكومية لإدراكها أن كابول مع انسحاب القوات الأميركية لا تمتلك القدرة على منافستها، لذلك حرصت الحكومة على عدم الإفراج عن سجناء الحركة دفعة واحدة والاكتفاء بتسليم عناصر هامشية، بالنظر إلى أن ورقة الأسرى وسيلة بيد الحكومة يمكن أن تمنحها قدرة على فرض احترام شروطها في التسوية المنتظرة.


وتتعامل طالبان مع الحكومة المركزية كطرف ضعيف ومرتبك أظهرته الإدارة الأميركية الحريصة على المصلحة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب، والمعبرة عن قناعة عموم المواطنين بضرورة وضع حد للوجود الأميركي في أفغانستان كجهة مهملة تم تغييبها عن الاتفاق المبرم مع الحركة، ويجري إرغامها على تنفيذ شروط لم تشترك في صياغتها وتضعف موقفها التفاوضي.

تتبع طالبان تكتيكًا أكثر دهاء ليس الغرض منه فقط إحراج الحكومة المحلية وإظهار مدى ضعف سيطرتها على مكونات الدولة، إنما محاولة إنهاء التفاوض الداخلي قبل أن يبدأ والاكتفاء بما تم إبرامه مع واشنطن، لتكون الحركة مع إجبار السلطة المحلية على تنفيذ شروط اتفاق الدوحة بالقوة.

وينصب تركيز طالبان التي تسيطر على أجزاء كبيرة من الأراضي الأفغانية خلال هذه المرحلة على نيل السلطة منفردة، والرهان على ضعف المنافس المحلي المعترف به من قبل المجتمع الدولي، والذي لا تقيم له وزنًا كبيرًا، ومخاوف بعض القوى الخارجية من تزايد نفوذ داعش (ولاية خراسان)، ما يمنحها اللعب بالعديد من أوراق الضغط والمساومة لتعبيد الطريق أمام هدفها النهائي، وهو الهيمنة على مقاليد السلطة، وهو ما سعت إليه باتفاقها الأخير مع واشنطن.

إزاء المواقف المشحونة تسعى الحركة عبر تصعيد هجماتها ضد قوات حكومية إلى تطويق الاتجاه المتشدد داخلها بسبب هواجسه من تداعيات الاتفاق مع واشنطن، خاصة المتعلقة بفرضية تقديم تنازلات للحكومة المحلية، ما يعني أن من ضمن أهداف مواصلة الحركة عملياتها تقليص حدة المخاوف وتضييق نطاق الانشقاقات وحرمان داعش من المضي قدما نحو جني مكاسب مختلفة، والفوز بمزيد من العناصر المنشقة عن طالبان عبر المزايدة عليها.

وتعكس هجمات داعش على المستشفى والجنازة التي جاءت إثر اعتقال قوات الأمن الأفغانية لثلاثة من كبار قادة التنظيم تغيرًا لافتا في قواعد اللعبة المتحركة في أفغانستان، حيث يحاول كل طرف العض على أصابع الآخر لحصد مكاسب ودرء خسائر متباينة.

تكتيكات مرحلية

بعد أن كان الحديث عن ضعف متوقع لموقف طالبان مع الحكومة الأفغانية نتيجة صراع الحركة المفترض مع داعش، صار الأخير لا يضع في أولوياته خصومة طالبان، إنما البدء في عمليات ثأرية قاسية ضد القوات النظامية، بغرض فضح عجزها عن فرض الأمن والاستقرار في البلاد، والتفرغ لمواجهة طالبان.

وتبدلت المواقع وصعدت أولويات وتراجعت أخرى على الساحة. وبعد أن استفاد تنظيم الدولة في خراسان من اتفاق الدوحة عبر التزود بذخيرة خطابية شعبوية تتهم طالبان بالتعاون مع الأعداء، وجدت الحركة أن المضي في هذا المسار إلى نهايته والدخول في تسوية مع كابول قد يزيد من نفوذ داعش، لأنه صار يهددها من الداخل عن طريق انضمام عدد من قياداتها وأعضائها السابقين إليه.

تيقنت طالبان من ضرورة ضبط اتجاه الصراعات، فهي تصعد ضد القوات الحكومية وتهبط بمواجهاتها مع داعش إلى أدنى مستوى كي لا تتشتت وتحارب على أكثر من جبهة، بعد أن كبدتها خطط التفاوض مع كابول بالتوازي مع الصراع المسلح مع داعش خسائر مادية ومعنوية عدة، جراء نزيف متوالية المعارك والانشقاقات، ما يزعزع صمودها ويحبط آمالها في العودة للحكم مرة أخرى.

وصار من المرجح في تقديرات غالبية الأطراف أن طالبان قادرة على تقويض داعش في أفغانستان، ويعترف قادة عسكريون محليون ودوليون بأن هجمات الحركة ضد معسكرات داعش أضعفت التنظيم وقلصت من حجم انتشاره، لكن أولوية طالبان خلال المرحلة المقبلة ليست الانفراد بقيادة الساحة الإرهابية عبر إقصاء داعش، إنما الانفراد بالسلطة من خلال تقويض أركان حكومة كابول.

وتمضي الحركة في كل مرحلة وفق مقتضياتها وتتبنى خطابا وتصرفات تناسبها، والآن تعتقد أن داعش رغم أنه يمثل خطرًا على وجودها، لكنه يظل خطرا يمكن تأجيل مواجهته مع تنويع الأساليب وعدم استبعاد الرهان على تفكيك مفاصل ولاية خراسان حال نجحت خطة طالبان في إقصاء حكومة كابول والهيمنة على السلطة وتحرير أسراها وفرض نفسها بالقوة الجبرية، لأن غالبية مسلحي داعش بالمنطقة انتموا إلى طالبان والقاعدة.

ولم تعد التنافسية بين طالبان والحكومة حول ملف محاربة داعش تمثل قيمة للحركة بعد إبرام الاتفاق مع واشنطن وما تبعه من كشف مدى ضعف كابول، مفضلة اللعب منفردة وجهًا لوجه مع داعش، عقب طي صفحة الحكومة بغرض توظيف ولاية خراسان كورقة مناورة وضغط لحصد أكبر كم من المكاسب السياسية، من منطلق ما يمثله داعش في أفغانستان من خطر على المصالح الأميركية والغربية.

وأقر تنظيم ولاية خراسان، في افتتاحية العدد 228 من صحيفة داعش الأسبوعية “النبأ” بعنوان “هُزمت أميركا ولم ينتصر الإسلام بعد”، بأن الاتفاق هزيمة لأميركا، لكنه في نفس الوقت نصر منقوص لطالبان، بالنظر إلى أن المهم ليس خروج العدو بل الحكم بالشريعة.

على الرغم من ترويج داعش إلى أنه الوحيد القادر على الحكم بالشريعة، بعكس طالبان التي ضلت الطريق والمقيدة بتوافقات مع مكونات أخرى كي تحكم أفغانستان، إلا أن التنظيم يعترف بانتصار طالبان على أميركا، مع التلميح بضرورة “إكمال الانتصار على العدو بانتصار الإسلام على الكفر”. يمنح انهيار مسار التفاوض السياسي وعدم تسوية الأوضاع بين طالبان والحكومة، داعش فرصة لمعاودة محاولاته التي واكبت سنواته الأولى في أفغانستان في ما يتعلق بالسعي لإبرام اتفاق عدم اعتداء مع طالبان، لأن تنظيم القاعدة حاول أيضا إقامة علاقات جيدة مع ولاية خراسان لمنع مقاتليه من الانضمام إلى التنظيم الوافد.

يتوقف حدوث تقارب بين طالبان وداعش خلال المرحلة المقبلة لمواجهة القوات الحكومية على مدى مرونة كل منهما وتقبل فكرة التحالفات التكتيكية. لكنه لن يكون تحالفًا دائما بالنظر لما باتت تمثله أفغانستان لكل منهما من أهمية لتأسيس نموذجه في الخلافة وزعامة الجهاد العالمي وتعويض خسارة الأرض وسقوط الدولة، وامتلاك أدوات تجنيد عناصر جديدة على المستويين المحلي والدولي.

التعليقات

ملفات ساخنة

الثلاثاء 19 مايو 2020 9:29 م

تفاصيل جديدة تتكشف عن دعم قطر للإرهاب، وعلاقتها بالجماعات الإرهابية، وتوفير ملاذات آمنة لعناصرهم، وتوظيف تلك العلاقات للعبث بالأمن الإقليمي والدولي وت...

الثلاثاء 19 مايو 2020 9:29 م

كشف موقع سويدي عن تسجيلات سرية لمخطط بطله أحد ضباط الاستخبارات التركية كان يهدف إلى استهداف الأجانب والأقليات الدينية على الأراضي التركية. وقال موقع...

الثلاثاء 19 مايو 2020 9:29 م

قبيل ظهور وباء كورونا وبداية تفشيه في مدينة ووهان الصينية ومن ثمة انتقال العدوى إلى جل دول العالم تقريبا، لم تكن المحاضرات العلمية بما تحتويه من مفاهي...

الأكثر قراءة

كاريكاتير

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر